أحمد مصطفى المراغي
45
تفسير المراغي
الإيضاح امتن سبحانه على عباده بأمور هي دلائل قدرته وواسع علمه فقال : ( 1 ) ( وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ ) أي واللّه هو الذي أحدث لكم السمع ، لتسمعوا به الأصوات التي تخاطبون بها ، والأبصار لتشاهدوا بها الأضواء والألوان والأشكال المختلفة ، والعقول لتفقهوا بها ما ينفعكم ويوصلكم إلى سعادة الحياتين الدنيا والعقبى . وخص هذه الثلاثة بالذكر ، لأنها طريق الاستدلال الحسى والعقلي لمعرفة الموجودات ، وذكرها على هذا الترتيب ، لما أثبته الطب أن الطفل في الأيام الثلاثة الأولى يسمع ولا يبصر ، ثم يبدأ الرؤية بعدئذ ، ومن الواضح تأخر العقل عن ذلك . ( قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ) تقول العرب للكفور الجحود للنعمة : ما أقل شكر فلان على نعمتي ، على معنى أنه لم يشكرها ، فالمراد هنا أنكم لم تشكروه على هذه النعم العظيمة ، وقد كان ينبغي أن تشكروه عليها في كل حين . ( 2 ) ( وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) أي وهو الذي خلقكم في الأرض وبثكم فيها على اختلاف أجناسكم ولغاتكم ، ثم يجمعكم لميقات يوم معلوم في دار لا حاكم فيها سواه . ( 3 ) ( وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) أي وهو الذي جعل الخلق أحياء بنفخ الروح فيهم بعد أن لم يكونوا شيئا ، ثم يميتهم بعد أن أحياهم ، ثم يعيدهم تارة أخرى للثواب والجزاء . ( 4 ) ( وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) أي وهو الذي سخر الليل والنهار وجعلهما متعاقبين يطلب كل منهما الآخر طلبا حثيثا ، لا يملانّ ولا يفترقان كما قال : « لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ » . ثم أنب من ترك النظر في كل هذا فقال :